ابن عربي

35

فصوص الحكم

فإن زالت الحياة عن الإنسان لا يقال فيه إنه إنسان على الحقيقة . وكذلك إن زال الحق عن صورة العالم لا يقال إنه عالم على الحقيقة . ولكن الحق لا يمكن زواله عن صورة العالم أصلًا ، لذلك كان وصف الإلهية - الذي هو للحق بالأصالة - وصفاً للعالم أيضاً على طريق الحقيقة لا المجاز . ويظهر أن هذا هو المعنى المراد لأنه يتمشى مع ما يلي من النصوص . ويمكن أن يعود الضمير في « له » على الحق ، ويكون معنى الجملة أن الحق لما كان موجوداً بذاته في صور العالم لا يُزَالُ عنها أصلًا ، ولما كان العالم صورة له تتجلى فيها صفاته وأسماؤه ، كان وصف الحق بالألوهية وصفاً حقيقيًّا لا مجازياً ، لأن العالم مألوه يفتقر في وجوده إلى إله ووجود المألوه يفترض وجود الإله لا محالة . غير أن معنى الحقيقة والمجاز لا يظهر في هذه الحالة ظهوره في الحالة الأولى . والواقع أنه لا فرق في مذهب يقول بوحدة الوجود كمذهب ابن عربي أن تنسب الألوهية للحق من وجه أو إلى العالم من وجه آخر ، فإن الحقيقة واحدة في الحالين وإن اختلفت بالاعتبار . يؤيد ذلك ما يقوله في الفقرة التالية مباشرة من أن الله هو المثنِي والمثنَى عليه . فإن جميع ما في الوجود من كائنات ناطقة وغير ناطقة روحية أو مادية ، حية أو غير حية ، تلهج بالثناء على الله بمعنى أنها مظاهر تتجلى فيها عظمته وكماله ، ولكنه ثناء صامت لا يدركه الإنسان عادة - ولذلك قال : « ولكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ » ( قرآن س 17 آية 46 ) . ولكن إلى الحق ترجع عواقب ذلك الثناء . فالثناء منه وعليه : منه لأنه الظاهر في صورة المثني : وعليه لأنه الباطن الذي يوجه كل الثناء إليه . ( 4 ) « فإن قلت بالتنزيه . . . الأبيات » . هذه الأبيات تلخص لنا مذهب ابن عربي في التشبيه والتنزيه ، وقد شرحنا معناهما فلا داعي للمزيد في هذا الشرح . ولكنا سنجمل معنى الأبيات إجمالًا في صورة أبسط وأدنى إلى الفهم .